كابل- أعلنت وزارة التعليم العالي في أفغانستان مؤخرا عن تغييرات جذرية في المناهج الجامعية، شملت حذف 18 مادة جامعية وتعليق تدريس 66 مادة أخرى إلى حين مراجعتها وإصلاحها.

ووصفت الحكومة الأفغانية التي تقودها حركة طالبان الخطوة بأنها تهدف إلى “مواءمة التعليم مع أحكام الشريعة وسياسات الإمارة الإسلامية”.

وشملت التغييرات مواد أساسية في تخصصات القانون، وحقوق الإنسان، والإعلام، وعلوم الاجتماع، وعلم النفس، وأثارت جدلا واسعا في المجتمع المدني وبين الطلاب والأساتذة، الذين أعربوا عن مخاوفهم من تراجع جودة التعليم وتقلّص الحريات الأكاديمية.

مبررات الحكومة

أكدت الوزارة أن الهدف من حذف المواد الجامعية وتعديل أخرى هو مراجعة المناهج لتتوافق مع القيم الدينية والثقافية لأفغانستان، موضحة أن المواد لم تُلغ نهائيا، بل ستخضع لتقييم دقيق.

وقال مسؤول في وزارة التعليم العالي الأفغانية -فضل عدم الكشف عن هويته- للجزيرة نت إنهم يهدفون إلى إنشاء نظام تعليمي إسلامي نقي، وخالٍ من المفاهيم الغربية غير المتوافقة مع قيم المجتمع، مع الحفاظ على المعايير العلمية.

وأشار النص الرسمي للوزارة إلى أن الجامعات ملزمة بعدم تدريس المواد المحذوفة، وأن المواد المشروطة ستُدرس “بشكل نقدي وتصحيحي”، مع التأكيد على التزام مسؤولي الجامعات بالقائمة الجديدة، وتجنب استخدام المواد الدراسية السابقة.

بين الحذف والمراجعة

وفقا للتعميم الصادر عن وزارة التعليم العالي بتاريخ 26 أغسطس/آب 2025، حذفت مواد تتعلق بالدستور الأساسي لأفغانستان، وحقوق الإنسان والديمقراطية، وعلم اجتماع المرأة، والحكم الرشيد، وفلسفة الأخلاق، إضافة إلى مواد تتعلق بتاريخ الأديان، ودور النساء في الاتصال العام. وصنفت هذه المواد على أنها “غير متوافقة مع قيم المجتمع الأفغاني”.

وبالإضافة إلى ذلك، تم تعليق تدريس 66 مادة أخرى إلى حين مراجعتها وإصلاحها، لتتوافق مع الشريعة الإسلامية وسياسات الإمارة الإسلامية، بحسب المصدر ذاته.

طلاب يشاركون في درس عملي بأحد المختبرات الجامعية في أفغانستان، حيث يطبقون المفاهيم النظرية بشكل عملي_مصدر الصور: صفحات رسمية لجامعات أفغانية

أسلمة التعليم

ومنذ عودة حركة طالبان إلى السلطة، فرضت قيود كبيرة على التعليم، وحذفت العديد من التخصصات والمواد الجامعية بالكامل أو قُيّدت بشكل صارم.

وكان زعيم حركة طالبان هبة الله آخوند زاده قد أصدر في أغسطس/آب 2022 قرارا بإنشاء “رئاسة مراجعة المناهج” لبدء أسلمة المحتوى الجامعي.

وبعد عامين، قالت مجلة نيتشر العلمية المرموقة إن بعض التخصصات والمواد الفنية والثقافية، بما في ذلك الموسيقى والفنون البصرية، ستُحذف من برامج الجامعات في أفغانستان وتستبدل بدروس الزراعة والمواد الدينية.

واستندت المجلة إلى تقرير رسمي من وزارة التعليم العالي الأفغانية حول مراجعة المناهج الجامعية، مؤلف من 78 صفحة، ونشرت المجلة ملخصا له في أغسطس/آب 2024.

من جهتها، حذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش سابقا من أن إعادة كتابة المناهج واستبدال الأساتذة المتخصصين قد يضر بجودة التعليم، ويقلل من تحفيز الطلاب وحضورهم، ووصفت التغييرات بأنها “إعادة تصميم أيديولوجي” للمناهج.

تحديات وفرص

ويرى أكاديميون تحدثت إليهم الجزيرة نت أن التعديلات تمثل تحولا كبيرا في التعليم الجامعي قد يؤثر على جودة التعليم وقدرة الطلاب على المنافسة المحلية والدولية.

فمن جهته، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة خراسان الأهلية الدكتور وحيد أسلمي إن إعادة صياغة المناهج لتحقيق التوافق مع الشريعة أمر مقبول دينيا، لكن حذف مواد أساسية مثل حقوق الإنسان والقانون الدولي يترك فجوة معرفية كبيرة، ويجب أن ترافق هذه التعديلات برامج تدريبية ومهنية للطلاب.

أما أستاذ علم الاجتماع في جامعة كابل سابقا الدكتور عبد الرؤوف حيدري، فيرى أن بعض المناهج بحاجة إلى مراجعة، لكن حذف هذا الكم من المواد دفعة واحدة يهدد التنوع المعرفي ويخلق فجوة أكاديمية، خصوصا في مجالات مثل الحقوق والإعلام.

وفي المقابل، يرى بعض أساتذة الشريعة أن الخطوة تمثل “إصلاحا أكاديميا ضروريا”، ويقول أستاذ الفقه المقارن في إحدى الجامعات الأهلية الشيخ عبد الغفور صابري إنه “لطالما كانت المناهج الجامعية مملوءة بمواد غربية لا علاقة لها بثقافتنا الإسلامية، بل أحيانا تتعارض معها”.

ويضيف للجزيرة نت أن المراجعة الحالية “خطوة في الاتجاه الصحيح لبناء نظام تعليمي يحافظ على هوية البلاد الإسلامية، وفي الوقت نفسه لا يمنع التخصصات العلمية النافعة كالطب والهندسة والعلوم الطبيعية”.

طلاب في باحة جامعة كابل أثناء حضورهم للحرم الجامعي، في مشهد يعكس الحياة اليومية الجامعية. (2)مصدر الصور: صفحات رسمية لجامعات أفغانية

فجوات عميقة

ويحذر خبراء التعليم من أن حذف مواد أساسية مثل القانون الدولي وحقوق الإنسان سيترك فجوات معرفية عميقة في التكوين الأكاديمي للطلاب، ويقلص من قدرتهم على تنمية مهارات التفكير النقدي والتحليل المقارن.

كما أن استمرار هذه التغييرات قد يعمّق عزلة الجامعات الأفغانية عن المؤسسات العالمية، ويحدّ من فرصها في عقد شراكات بحثية أو المشاركة في مشاريع أكاديمية دولية.

وفي هذا السياق، يقول أستاذ التربية في جامعة كابل سابقا الدكتور محمد شريف بهزاد للجزيرة نت: “أخشى أن تؤدي هذه التغييرات إلى إضعاف قدرات الخريجين على المنافسة خارج البلاد. فالطلاب لن يفتقدوا فقط المواد المحذوفة، بل سيفقدون أيضا فرصة التفاعل مع معايير أكاديمية عالمية، مما قد يكرّس الفجوة بينهم وبين أقرانهم في المنطقة والعالم”.

ويرى مراقبون أن غياب الشفافية في آلية المراجعة وعدم إشراك الأكاديميين والطلاب في صياغة المناهج يعزز المخاوف من “تسييس التعليم”.

طالبات أفغانيات يشاركن في دورة تعليم اللغة الإنجليزية داخل أحد الدورات في كابل مصدر الصور: صفحات رسمية لجامعات أفغانية

مخاوف الطلاب

وفي السياق، أبدى طلاب قلقهم من تأثير هذه التعديلات على قدرتهم على المنافسة في سوق العمل، ويقول الطالب في كلية الحقوق بجامعة “علم الأهلية” نعمت الله حبيبي للجزيرة نت: “فوجئنا بوقف تدريس بعض المواد الأساسية من دون سابق إنذار، مثل القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهذا قد يحد من تطوير مهاراتنا”.

بينما يرى طالب آخر في تخصص الإعلام فضل عدم ذكر اسمه أن “التغييرات الحالية قد تمنعنا من اكتساب المعرفة التي تحتاجها سوق العمل المحلية والدولية، وهو ما يقلقنا حول فرصنا المهنية المستقبلية”.

هجرة الكفاءات

ومع التغييرات الجذرية التي طرأت على المناهج الجامعية، يشهد التعليم العالي في أفغانستان موجة متصاعدة من هجرة الكفاءات الأكاديمية نحو دول الجوار والمؤسسات الدولية.

ويسعى العديد من الأساتذة والباحثين إلى بيئات تعليمية أكثر استقرارا، حيث يمكنهم ممارسة التدريس والبحث العلمي بحرية بعيدا عن القيود الصارمة التي فرضتها طالبان على المناهج والمحتوى الأكاديمي.

وتتعدد الأسباب وراء هذا النزوح الأكاديمي، لكن أبرزها يكمن في القيود على الحريات الفكرية في الجامعات، وفصل مئات الأساتذة -خصوصا النساء- من دون إشعار سابق أو آلية تقييم شفافة، إضافة إلى التدهور الاقتصادي الذي أثر على ميزانيات التعليم وفرص البحث العلمي.

ويخشى مراقبون من أن تؤدي هذه الهجرة إلى تراجع جودة التعليم، نظرا لنقص الكفاءات التدريسية والبحثية، مما يترك الطلاب أمام فجوات معرفية كبيرة ويحدّ من قدرتهم على المنافسة المحلية والدولية.

كما أن غياب الأكاديميين المؤهلين يقلص فرص التعاون مع الجامعات والمؤسسات العلمية العالمية، ويعزل النظام التعليمي الأفغاني عن المجتمع الأكاديمي الدولي.

ويشير بعض الأكاديميين إلى أن التحديات الراهنة قد تدفع الجامعات إلى تبنّي حلول بديلة، مثل برامج التعليم عبر الإنترنت بالتعاون مع أساتذة في المهجر، أو الاستفادة من المنح الدراسية الدولية لبناء جيل جديد من الأكاديميين قادر على إعادة تأهيل النظام التعليمي.

ومنذ عودة طالبان إلى الحكم عام 2021، شهدت الجامعات الأفغانية موجة غير مسبوقة من هجرة العقول. و حسب تقارير محلية، غادر أكثر من 1200 أستاذ جامعي مواقعهم في جامعات كبرى مثل كابل وننغرهار وهرات، وانخفض عدد الأساتذة في جامعة كابل وحدها من 867 إلى 407 بينهم أكثر من 110 أستاذات ممن لا يُسمح لهن بالتدريس.

بينما تشير تقديرات “الأكاديمية الوطنية للعلوم” إلى نزوح ما يصل إلى ألف أكاديمي، بينهم نحو 300 باحث في العلوم والهندسة.

وفي موازاة ذلك، قدّم ما لا يقل عن 70 أستاذا استقالاتهم احتجاجا على سياسات طالبان.

أما على مستوى الطلبة، فقد تراجع عدد الملتحقين بالتعليم العالي من نحو 430 ألفا إلى 200 ألف فقط وفق بيانات اليونسكو، مع انخفاض المنتسبين إلى الجامعات الخاصة بنسبة تقارب 50%.

وفي جامعة هرات غربي البلاد انخفض عدد الطلبة من 19 ألفا و578  إلى 9078 خلال 3 سنوات،  فيما بلغت نسبة الانسحاب من بعض الجامعات العامة نحو 50% .

و شهد امتحان القبول الجامعي انخفاضا حادا في أعداد المتقدمين، من نحو 200 ألف قبل طالبان إلى ما يقارب 75 ألفا و 500 طالب

شاركها.
اترك تعليقاً