بيروت، في بلد يقوم على شبكة شديدة التعقيد من الطوائف والتحالفات، يظل سلاح حزب الله العقدة الأعمق في المشهد السياسي اللبناني، فهو عند أنصاره ذراع مقاومة وركيزة في معادلة الردع، في حين يراه خصومه عائقا أمام قيام دولة تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، ومنذ انتهاء الحرب الأخيرة بين الحزب وإسرائيل، عاد ملف السلاح إلى صدارة النقاش اللبناني والإقليمي، مدفوعا بضغوط دولية متزايدة، فالورقة الأميركية التي طُرحت عقب اتفاق وقف إطلاق النار لم تقتصر على تثبيت التهدئة، بل تضمنت مطلبا واضحا بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية باعتباره شرطا لأي تسوية سياسية وأمنية مقبلة.

تهدف الورقة التي قدمها المبعوث الأميركي توم براك إلى ترسيخ اتفاق وقف الأعمال العدائية المبرم في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مستندة إلى اتفاق الطائف وقرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006، وتتضمن التزامات لبنانية بنزع سلاح حزب الله، مقابل خطوات إسرائيلية تشمل الانسحاب من 5 نقاط حدودية، ووقف الانتهاكات البرية والجوية، وترسيم الحدود، ودعم قدرات الجيش اللبناني.

واقع معقد

غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع داخلي معقد، إذ يرى الحزب في ترسانته ضمانة لمعادلة الردع مع إسرائيل، في حين يعتبر خصومه أن استمرارها خارج مؤسسات الدولة يقوّض سيادتها، وفي صميم هذه المعادلة، يظل السؤال قائما، هل تملك الدولة اللبنانية القدرة على تنفيذ مشروع حصر السلاح بيدها وتجريد الحزب منه إذا ما أصر على رفض ذلك؟ مما يضع القوى اللبنانية أمام اختبار تاريخي في ظل مؤسسات منهكة وتوازنات داخلية هشة وامتدادات إقليمية معقدة.

وبين من يرى في احتكار الدولة للسلاح شرطا لازما للسيادة، ومن يحذر من مغامرة قد تفتح أبواب الفوضى وتعيد خلط الأوراق داخليا وإقليميا، يبقى الملف معلقا عند مفترق بالغ الحساسية يرسم حدود الممكن والممنوع في لبنان.

قالت أوساط في حزب الله للجزيرة نت إن موقفه واضح، حيث وصف أمينه العام نعيم قاسم قرارات الحكومة الأخيرة بأنها “خطيئة”، مشيرة إلى أن السلاح لم يُسلم، وأن التواصل والحوار عاد إلى وتيرته المعتادة والمكثفة، خصوصا بعد لقاء النائب محمد رعد، رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” بعدد من القيادات اللبنانية، وكانت الحكومة اللبنانية قد قامت بتكليف الجيش بإعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة.

وأضافت المصادر أن الكرة باتت الآن في ملعب الدولة، معتبرة أن الحكومة ارتكبت خطأ إستراتيجيا بقراراتها الأخيرة، سواء في مجلس الوزراء أو عبر الورقة الأميركية، ما دفع الأمور نحو منزلق خطير، في ظل التعنت الإسرائيلي والإصرار الأميركي على تحويل المشكلة من الصراع اللبناني-الإسرائيلي إلى الداخل اللبناني.

كما لفتت إلى أن المشهد زاد تعقيدا نتيجة عدم التزام الإدارة الأميركية بما وعدت به وفق قاعدة “خطوة مقابل خطوة”، إذ لم تضغط على إسرائيل لتقديم أي تنازل مقابل الخطوات التي أقدم عليها لبنان، وهو ما ظهر بوضوح خلال زيارة الوفد الأميركي الأخير.

إنجاز

من جانبه، أكد النائب البرلماني عن حزب القوات اللبنانية نزيه متى للجزيرة نت، أن الدولة والسلطة التنفيذية مطالبتان باتخاذ القرار اللازم وتنفيذه بشأن حصر سلاح حزب الله، وأوضح أن هذا لا يعني بالضرورة أن الجيش سيقتحم المراكز ويصادر الأسلحة بالقوة، مؤكدا أن مجرد اتخاذ القرار يُعد إنجازا للدولة.

وحسب متى، يمكن أن يتم جمع السلاح على مراحل، ويشمل أي شخص أو جهة تمتلكه، بما في ذلك الحزب، بحيث يمنع تداوله تماما، كما يُطبق على المواطنين العاديين، وأكد أن الدولة قادرة على إدارة هذه العملية تدريجيا لضمان جمع السلاح من كل الأطراف المعنية.

وفي تعليقه على موقف حزب الله، اعتبر أن السلاح الذي يمتلكه الحزب لم يحقق الحماية المطلوبة للبنان أمام التهديدات الإسرائيلية، مشيرا إلى أن الأحداث الأخيرة، بما فيها جبهة الإسناد المرتبطة بغزة، كشفت عن محدودية قدرته على مواجهة العدوان.

وأوضح متى أن السلاح لم يعد أداة دفاع عن لبنان، بل تحول إلى عبء على الحزب والدولة والمجتمع، خصوصا في ظل استهداف إسرائيل لمراكزه وأفراده وقادته، ما ضاعف الضغوط على جميع الأطراف.

وأضاف أن دعوات بعض قيادات الحزب، مثل الأمين العام، للتمسك بالسلاح لم تُترجم إلى حماية فعلية للبنان، بل تساهم في تفاقم الدمار وتصاعد النزاعات في البلاد.

حلول سلمية

من جهته، يستبعد رئيس تحرير صحيفة اللواء اللبنانية -الكاتب صلاح سلام- في حديثه للجزيرة نت، اندلاع أي مواجهة عسكرية بين الجيش اللبناني وحزب الله، مؤكدا أن جميع الأطراف تسعى إلى حلول سلمية وتوافقية.

وأوضح أن الحوار يبقى الخيار الأرجح، وهو قائم يوميا منذ فترة، غير أن بعض التفاصيل الجانبية ما تزال تعيق إحراز تقدم ملموس.

وأشار سلام إلى أن المؤشرات حتى الآن تدل على تعثر التوصل إلى تسوية واضحة، لافتا إلى أن “الدور الإيراني يشكل عاملا معطلا لأي اختراق محتمل في هذا الملف، إذ باتت هناك صلاحيات وتدخلات إيرانية مباشرة تؤثر على مسار النقاشات اللبنانية”.

من ناحيته، قال عضو “اللقاء الديمقراطي” النائب بلال عبد الله للجزيرة نت: إنهم جزء من الحكومة والسلطة المعنية باتخاذ القرار، مشددا على دعمهم لتطبيق إجراءاتها والقرار 1701، وفق ما وصفه بـ”الإحاطة والوحدة الوطنية الداخلية” من دون أي استفتاء أو شروط إضافية.

ووفقا لعبد الله، فإن حصر السلاح بيد الدولة يندرج ضمن مسؤولية الجيش والحكومة، وهما المعنيان بتحديد الطريقة الأنسب لتنفيذه ضمن الإطار الزمني المحدد، بما يحافظ على الوحدة الوطنية ويبعد أي تدخل من أجندات خارجية.

وأكد أن الهدف هو عدم وضع الجيش في مواجهة أي فريق لبناني أو مكون سياسي داخلي، مع التشديد على أهمية النقاش والحوار ضمن إطار الجمهورية والحكومة والبرلمان. وأضاف أن العمل مستمر بما يحفظ استقرار الحكومة والمصلحة الوطنية.

شاركها.
اترك تعليقاً