يشهد قلب القارة الأفريقية سباقا محموما بين القوى الكبرى للسيطرة على معادن حيوية، مثل الكوبالت والليثيوم والعناصر النادرة التي تُعد العمود الفقري لثورة المركبات الكهربائية والتحول نحو الطاقة النظيفة.

في حوض الكونغو، الذي يضم نحو ثلثي احتياطي العالم من الكوبالت، إضافة إلى كميات ضخمة من الليثيوم والكولتان، تتقاطع رهانات واشنطن وبكين على النفوذ في سلاسل الإمداد العالمية للقرن الـ21، بينما ترى حكومات أفريقية في هذه الثروات فرصة للتصنيع وخلق الوظائف، وسط مخاوف محلية من تكرار أنماط الاستغلال التاريخية.

صفقة واشنطن وكنشاسا

حسب أفريكا ريبورت، أبرمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقا مع حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية يربط وصول الشركات الأميركية إلى احتياطات البلاد المعدنية بتوسيع الدعم الأمني في شرق البلاد، حيث تدور مواجهات مع متمردي حركة “إم 23” التي تتهم رواندا بدعمها.

ويرى محللون، مثل دانيال فان دالين، أن الصفقة تحركها اعتبارات جيوسياسية أكثر من كونها مبادرة تنموية، معتبرين أن واشنطن تتعامل ببراغماتية شديدة مع كل من كينشاسا وكيغالي في إطار سعيها لتأمين المعادن الإستراتيجية وتعزيز نفوذها العالمي.

مخاطر “التأمين العسكري” للثروات

يحذر خبراء من أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام نموذج جديد من “التنقيب المحمي عسكريا”، حيث تُربط حقوق التعدين بالدعم العسكري الأجنبي بدلا من الحوكمة الرشيدة.

ويقول باتريك كيبالو، مدير برنامج أفريقيا في مبادرة الحقوق والموارد، إن صياغة هذه الصفقات على أسس حقوقية وعدالة قد تسهم في الاستقرار، لكن غياب هذه المعايير قد يفاقم الصراع والفساد ونزع الأراضي، مكرسا دوامة عنف مستمرة منذ 3 عقود.

أما فرانسوا كونرادي، كبير الاقتصاديين السياسيين في “أكسفورد إيكونوميكس أفريكا”، فيحذر من فقدان الكونغو سيادتها إذا سمحت لشركات أمنية خاصة مدفوعة بالمصالح الاقتصادية بالعمل على أراضيها، مستشهدًا بتجربة مالي مع المرتزقة الروس.

عودة قومية الموارد في أفريقيا

في مواجهة هذه التحديات، تتجه دول مثل زيمبابوي وزامبيا إلى فرض حظر على تصدير الليثيوم الخام، وإلزام الشركات بإنشاء مصانع للتصنيع المحلي.

لكن كيبالو يشير إلى أن غياب البنية التحتية والتمويل والخبرة التقنية قد يجعل هذه السياسات طاردة للاستثمار إذا لم تُدعَم بخطط تنفيذية واقعية.

ويؤكد كونرادي أن المفاوضات المثمرة مع شركات التعدين يجب أن تتجاوز مسألة الضرائب والعوائد المالية لتشمل استثمارات في الطرق والتعليم والصناعات.

عبء التاريخ وفرصة الحاضر

يحفل تاريخ الثروات الأفريقية بالأمثلة على “لعنة الموارد” من نفط أنغولا الذي غذّى الفساد والحروب، إلى ألماس سيراليون الذي موّل النزاعات، ونحاس زامبيا الذي ترك البلاد مثقلة بالديون.

ويحذر كيبالو من تكرار الأخطاء، مؤكدا أن “الاعتراف بحقوق المجتمعات المحلية في الأراضي ليس عائقا للتنمية، بل أساسا للاستقرار والازدهار المشترك”.

إذ تقع أكثر من نصف مشاريع التعدين العالمية على أراض مجتمعية أو للسكان الأصليين، وفي الكونغو غالبا ما يعني ذلك الإخلاء القسري وتدمير البيئة.

صراع واشنطن وبكين

بينما تهيمن الصين على معظم امتيازات الكوبالت في الكونغو وتسيطر على قدرات التكرير عالميا، تسعى واشنطن، وفق فان دالين، إلى إبطاء التمدد الصيني أكثر من إزاحته.

وقد أعلنت شركة “كوبولد ميتالز” المدعومة أميركيا عن حصولها على 7 تراخيص استكشاف مع تعهد باستثمار مليار دولار، في إشارة إلى استعداد كينشاسا لفتح الباب أمام الاستثمارات الغربية.

لكن، كما يحذر فان دالين، فإن الفساد والمصالح السياسية العميقة في الكونغو تجعل من الصعب أن تنعكس أي زيادة في العوائد على حياة المواطن العادي في المدى القريب.

لعنة الموارد والتحول الأخضر

يضع تقرير أفريكا ريبورت صفقة ترامب مع الكونغو في سياق سباق عالمي على معادن التحول الأخضر، محذرا من أن غياب الحوكمة الرشيدة قد يحوّل هذه الفرصة التاريخية إلى حلقة جديدة من الاستغلال والنزاعات، في حين تظل قدرة الدول الأفريقية على فرض شروط عادلة هي العامل الحاسم بين تكرار الماضي أو صناعة مستقبل مختلف.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version